لماذا نتحدث عن التوكل ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

كلنا يعلم أن الحديد يصدأ ، ويتفاوت صدأ الحديد فأحيانا يكون الصدأ شديداً وأحيانا يكون أخف ، وسرعة علاج الصدأ ينبني على شدة تأثر الحديد بذاك الصدأ ، وكذلك قلوب العباد تصدأ ويتفاوت صدؤها من قلب إلى قلب مما يحفز الإنسان إلى الاعتناء بقلبه والاهتمام به كي لا يموت قلبُه والعياذ بالله تعالى ، ومن هذا المنطلق جاء الحديث عن عمل من أعمال القلوب ألا وهو التوكل على الله تعالى فنسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بالإيمان ..

أولاً :  لماذا نتحدث عن التوكل ؟

نتحدث عن التوكل لأسباب كثيرة منها:-

1. لأن التوكل من أجل صفات المؤمنين :

كما قال تعالى في سورة الأنفال : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ الأنفال2.] وفي مقدمة هؤلاء المؤمنين حقا الأنبياء الذين قالوا جميعاً {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا}إبراهيم12 .

2. أن التوكل دليل على إيمان صاحبه :

فالله تعالى جعل التوكل عليه شرطاً للإيمان فقال سبحانه {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }المائدة23 قال ابن عباس:التوكل جماع الإيمان [1]

3. أن التوكل نصف الدين :

أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال:  التوكل على الله نصف الإيمان[2] ، وقال ابن القيم رحمه الله : ( التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها)[3]

4. حجة المسلم إلى التذكير بالتوكل لعلاج هم الرزق:  الذي شغل قلوب الكثيرين ..بل ربما بعضهم حرم نفسه من الذرية بسبب الخوف من عدم الرزق ..وبعضهم زاحم الناس وضايقهم وتذلل عندهم من جل ذلك ، فأين هؤلاء من حديث ابن عباس المشهور (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف )رواه الترمذي (2516) وصححه

5. حاجة الداعية لصفة التوكل على الله في مواجهة عقبات الطريق : لا سيما مع قلة الناصر والصديق {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}الفرقان58 وصدق القائل :

ومن لبس التوكل لم تجده          يخاف جرائر المتجبرينا

6. أمر الله لعباده بالتوكل عليه والالتجاء إليه : فقد جاء الأمر بالتوكل في نحو 52 آية من كتاب الله تعالى [4]مما يدل على أهميته في حياة المسلم ، يقول ابن تيمية في الفتاوى (7/16)  ( وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة ، ونهى عن التوكل على غير الله )

7. علاج لتلك القلوب التي تعلقت بالأسباب المادية : ونسيت ربها سبحانه .

8 . وهو وقاية من الخوف والبخل خاصة في أوقات الفتن : فإذا علم العبد أن الله هو الذي يعطي ويمنع ، ويحي ويميت توكل على ربه وكفى بالله وكيلا .

ثانياً : لكن ما حقيقة التوكل الذي نريد ؟

يقول ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ص(2/497) : وحقيقة التوكل : ( هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها ، وكِلَةُ الأمور كلها إليه ،وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه )

ثالثاً :  فضل التوكل وثمراته وجزاء المتوكلين :

1. دخول الجنة بغير حساب : حديث عمران بن حصين : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب )) . قالوا : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : (( هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون )) [5]

2. التوكل سبب لمحبة الله :  {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159

3. المتوكلون في حماية الله ورعايته وحفظه وكفايته :

  {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}الطلاق3 أي كافيه ، لقد قال إبراهيم {حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }آل عمران173 حين ألقي في النار ، فجاء الجواب{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ }الأنبياء69  وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}آل عمران173 فكان الموقف :  {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ,فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }آل عمران174

قال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد (2/267) : ( التوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم ، وهو من أقوى الأسباب في ذلك ، فإن الله حسبه أي : كافيه ، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ، ولا يضره إلا أذى لا بدمنه ، الحر والبرد والجوع والعطش ، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون )

ويقول أيضا : ( هو حسب من توكل عليه ، وكافي من لجأ إليه ، وهو الذي يؤمن الخائف ، ويجير المستجير ، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه ، تولاه وحفظه وحرسه وصانه ، ومن خافه واتقاه ، أمنّه مما يخاف ويحذر وجلب إليه ما يحتاج إليه من المنافع ) [6].

4. يقي من تسلط الشيطان :

قال تعالى ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )

وفي حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا خرج الرجل من بيته فقال : بسم الله ، توكلت على الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، فيقال له : حسبك ، قد هديت وكفيت ووقيت . فيتنحى له الشيطان ، فيقول له شيطان آخر : كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي). رواه أبو داود وحسنه ابن القيم في زاد المعاد (2/335) وصححه الألباني في صحيح الجامع (499) .  وفي دخولهم أيضاً : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا ولج الرجل بيته فليقل : اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ، بسم الله ولجنا ، وبسم الله خرجنا ، وعلى ربنا توكلنا ، ثم ليسلم على أهله )) [7]

5. التوكل من أكبر أسباب الرزق :

عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصاً وتروح بطانا )) . [8]

قال أبو حاتم الرازي : هذا الحديث أصل في التوكل ، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق ) [9]

6. التوكل من أكبر أسباب النصر على الأعداء :

 قال الله تعالى : ((إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ )) ، أي فليخصه المؤمنون بالتوكل ؛ لأنه لا ناصر لهم سواه . قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : (( وعلى الله فليتوكل المؤمنون فنهى عن التوكل على غيره ، وأمره بالتوكل عليه ليحصل عليه النصر الذي لا يقدر عليه غيره )) . [10]

7 ـ التوكل يورث الرضا بالقضاء والقدر :

إن المتوكل موقن أن تدبير الله خير له من تدبير نفسه ، وأنه أبداً في كفاية الله تعالى وكفالته ووكالته ، وكفى بالله وكيلاً ، وكفى بالله كفيلاً ؛ ولهذا ألقى همومه عند باب ربه فاستراح من الهم والعناد ، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله : ( اعلم أن ثمرة التوكل الرضا بالقضاء ، فمن وكل أموره إلى الله ، ورضي بما يقضيه له ، فقد حقق التوكل ) [11]  ، و سئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلاً ؟ فقال : (( إذا رضي بالله وكيلا )) .

8 ـ يطرد التطير والأمراض القلبية كالتشاؤم ولبس الحلقة والخيط:

 قال ابن مسعود رضي الله عنه :( وما منا إلا ..ولكن الله يذهبه بالتوكل) بعد أن ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم(الطيرة شرك) رواه أحمد والحاكم .

9 ـ من أسباب دفع السحر والحسد والعين :

قال الله تعالى :  ( وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) [ يوسف: 67] قال الإمام الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان ( 3/398   ) : (تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله قوله تعالى عن يعقوب ( وَقَالَ يا بَنِى َّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَة ٍ ) أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب وتسبب في ذلك بالأمر به لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجل واحد وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين كما قال غير واحد من علماء السلف ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه ( وَقَالَ يابَنِى َّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَة ٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَىءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله ( لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ ) وبين التوكل على الله في قوله ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته )

رابعاً :  مجالات التوكل:

الأصل بالمؤمنين أن يتوكلوا على الله في جميع أمورهم كما وصفهم السعدي في الدرة الفاخرة :

صحبوا التوكل في جميع أمورهم          مع بذل جهد في رضا الرحمن

ومن أهم المجالات التي نحتاج إلى التذكير بها ..التوكل على الله في الرزق والأجل .. فهذا أبو بكر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإنفاق فجاء بكل ماله. وهذا أمر عظيم من منا يقدر عليه الآن، بل من منا يقدر الآن على ربعه، وهذا عمر رضوان الله عليه جاء بنصف ماله، لكن الصديق جاء بكل ماله، فقال له المصطفى: (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله) .. توكل ورب الكعبة لا يستطيع بليغ أن يجسده لكم ..وقيل لزوجة أحد السلف : من أين تعيشين أنتِ وأولادك بعد ذهاب زوجك ؟ فقالت بكل ثقة : عرفت زوجي أكالا ، وما عرفته رزاقاً ، فلئن ذهب الأكال ، لقد بقي الرزاق .

ومن المجالات التي نحتاج إلى التذكير بها التوكل على الله في أمر الدين :

فيتوكل على الله ليعينه على سلوك الطريق المستقيم ..ويتوكل على الله لإعلاء كلمة الله ونصرة دعوته .. قال ابن القيم رحمه الله في المدارج (2/114) : ( فأفضل التوكل التوكل في الواجب أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس وأوسعه وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توكل ورثتهم ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم فمن متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف ، ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله فإن كان محبوبا له مرضيا كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته والله أعلم )

خامساً :  التوكل لا التوكل

الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب بالله لا ينافي التوكل ، كما أن القعود عن الأسباب التي جعلها الله سبيلا موصولا لمسبباتها مراغمة للحكمة الإلهية وجهل بالسنن الكونية ، يقول سهل بن عبدالله التستري ( من طعن في الحركة ـ أي في الأخذ بالأسباب ـ فقد طعن في الإيمان ، فالتوكل حال النبي ، والكسب سنته ، فمن عمل على حاله ، فلا يتركن سنته )

ولقد جاءت نصوص كثيرة في القرآن  والسنة تأمر برعاية الأسباب ؛ وتدعو إلى ضرورة الحرص عليها ، والسعي لتحصيلها ، مع تعلق القلب بالله ـ عز وجل ـ وعدم الركون إليها

كقوله  عز وجل ـ : ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) .وقوله صلى الله عليه وسلم  :(( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا )) رواه الإمام أحمد من حديث عمر بن الخطاب وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (310) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:  ( وليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق لأن الطير إذا غدت فإنما تغدو لطلب الرزق ، وإنما أراد والله تعالى أعلم لو توكلوا على الله تعالى في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم ورأوا أن الخير بيده ومن عنده ، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين ،  كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم ويغشون ويكذبون ولا ينصحون ،  وهذا خلاف التوكل ) [12]

ومن تأمل قصص الأنبياء في كتاب الله علم أن اتخاذ الأسباب لم يكن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده ، بل هي سنة الأنبياء جميعاً  فنبي الله نوح ـ عليه السلام ـ يصنع الفلك كما أمره الله : (( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا )) لتكون وسيلة النجاة له ومن معه من الطوفان .. والله عز وجل ـ قادر على إنجائهم من غير سفينة ، ولكن جعل الله قدرته وقدره من خلال سنن وأسباب أوجدها سبحانه لنعمل وقتها ..ونبي الله يعقوب يوصي يوسف بالسرية والكتمان كسبب للتخلص من كيد إخوته : (( يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً )) .

و السلف رحمهم الله تعالى يصححون مفهوم التوكل للمتواكلين .. يقول معاوية بن قرة : لقي عمر بن الخطاب ناساً من أهل اليمن ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكلون . قال : بل أنتم المُتَّكلون . ألا أخبركم بالمتوكلين ؟ رجل ألقى حبة في بطن الأرض ثم توكل على ربه . وقوله : (( المُتَّكِلون ))يعني على أمور الناس . وقال صالح سئل أبي ـ أي الإمام أحمد ـ وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون فقال : هؤلاء مبتدعة ،  قال المروذي : قيل لأبي عبد الله إن ابن عيينة كان يقول هم مبتدعة ، فقال أبو عبد الله : هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا [13]

إذن الذين يتواكلون في أعمالهم كانوا سببا في تخلف المسلمين عن الركبالذي كانوا قادته عدة قرون ..وكم من الطاقات والعقول أهدرت بسبب هذا المفهوم المنكوس ، وصدق الإمام أحمد رحمه الله إنهم قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا !!

سادساً : متى تذم الأسباب ؟

تُذم الأسباب إذا تعلق القلب بها وحدها ، وجعل كل اعتماده عليها ، ونسي مسببها وخالقها ، وجهل أن الأسباب لا تعمل وحدها .

وقد ذكر القرآن لنا نموذجاً من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها فإذا هي لا تحقق نتائجها ، وذلك في قوله تعالى : (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ))

لقد خذلوا وهم كثرة ؛ حيث غرهم الكم ، وأذهلهم التوكل ، فلم يغن الكم الكثير شيئا ، على حين انتصروا وهم قلة ؛ إذ كان اعتمادهم على الله وحده ، بعد أن بذلوا ما استطاعوا .

فلا يملك المؤمن بعد هذا إلا أن يقول بعد سببه واجتهاده : نبذر الحب ، ونرجو الثمر من الرب .