حكم زيارة المقابر للرجال والنساء

زيارة المقابر يختلف حكمها بحسب الزائر للقبر وهو إما أن يكون رجلاً أو امرأة ولكل واحد منهما حكمه الخاص به فنقول وبالله التوفيق :

* زيارة المقابر للرجال :

 زيارة القبور للرجال مستحبة[1] لما روى مسلم في صحيحة عن بريدة رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها " [2] وكان النهي ابتداء (صيانة لجانب التوحيد ، وقطعاً للتعلق بالأموات ، وسداً لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس ، فلما تمكن التوحيد من قلوبهم وأضمحل الشرك ، واستقر الدين ، أذن في الزيارة )[3]

* أما زيارة المقابر للنساء : فهي على قسمين :

        أ ـ أن تكون الزيارة غير مقصودة : فهذه لا خلاف فيما يظهر والله أعلم في جوازها لأن المانعين من زيارة النساء أباحوها قال شيخ الإسلام فيما نقله البعلي في الاختيارات : ( والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها ، اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها ، فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن ) [4]

        ب ـ وإما أن تكون الزيارة مقصودة : فهذه اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال :

أصحها القول التحريم مطلقاً سواء كانت الزيارة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره [5]وهو قول بعض المالكية والشافعية والحنفية وإليه ذهب أكثر أهل الحديث وهو الرواية الثالثة عن الإمام أحمد رحمه الله وهو اختيار ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم [6]

واستدلوا على ذلك بأدلة منها :

1 ـ حديث ابن عباس قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور .." الحديث [7]

2 ـ حديث علي t قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس قال ما يجلسكن قلن ننتظر الجنازة قال هل تغسلن قلن لا قال هل تحملن قلن لا قال هل تدلين فيمن يدلي قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات " [8] قال ابن القيم رحمه الله : ( فهذا يدل على أن أتباعهن الجنازة وزر لا أجر لهن فيه إذ لا مصلحة لهن ، ولا للميت في إتباعهن لها ، بل فيه مفسدة للحي والميت )[9]

3 ـ حديث  أم عطية رضي الله عنها قالت:" نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا " [10]

4 ـ أن الحكمة من مشروعية زيارة القبور هي التذكر والاعتبار وزيادة الإيمان وهذه المصلحة وإن كانت مطلوبة من النساء ، لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات ، والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها ، أعظم من مصلحة يسيرة تحصل لهن إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته ، و رجحان هذه المفسدة لا خفاء به ، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة [11] قال أبو العباس علي بن محمد البعلي: ( ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم ؟ فيه قولان : وظاهر كلام أبي العباس ـ أي شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي صلى الله عليه وسلم زائرات القبور وتصحيحه إياه ، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ، وأنه لا يصح ادعاء النسخ ، بل هو باق على حكمه،والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها،اللهم إلاّ إذا اجتازت بقبر في طريقها،فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن )[12]

 

 

[1] انظر المجموع (5/319) وقال رحمه الله : ( وهو قول العلماء كافة نقل العبدري فيه اجماع المسلمين ) ولا يصح نقل الإجماع لوجود النزاع فيه انظر الرد على الأخنائي ص18

[2] رواه مسلم ( 977)

[3] تهذيب السنن (4/349)

[4] الفتاوى الكبرى (5/448) وانظر : كشاف القناع (1/621) والشرح الممتع ( 5/478) 

[5] فتاوى ابن إبراهيم (3/239) حاشية ابن قاسم على الروض (3/146) الشرح الممتع (5/476)

[6] انظر : الفتاوى الكبرى (5/448) ، تهذيب السنن (4/448) وممن رجح هذا القول الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (4/358 )  وصديق حسن خان في حسن الأسوة ، وبه جزم صاحب المهذب  وصحاب البيان كما في المجموع (5/319) وهو اختيار إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب (3/40) مؤلفات الشيخ .وغيرهم من أهل العلم المحققين ..وانظر في هذا المبحث رسالة العلامة بكر أبو زيد ص109 من كتابه الأجزاء الحديثية .

[7] رواه أحمد (1/229) وأبو داود (3236) والترمذي (320)والنسائي (2043) وغيرهم

[8] رواه ابن ماجه (1578) والبيهقي (4/77)وفيه إسماعيل بن سلمان ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن معين وغيرهم .

[9] تهذيب  السنن (4/349)

[10] رواه البخاري (1278) ومسلم ( 938)

[11] تهذيب السنن (4/349) بتصرف

[12] الفتاوى الكبرى ( 5/448)