الدعاء عند القبور ، أحكام وشبهات

 

الدعاء من أجل العبادات ، وقد شرع الله لها آدابا وأوقاتا وأماكن ، ولكن الشيطان زين للناس استبدال الخبيث بالطيب ، فاتجهوا إلى قبور الأنبياء والصالحين والأولياء ، وظنوا أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد ، وسيكون الكلام في مسألتين :

المسألة الأولى: أقسام الناس في الدعاء عند القبور:

القسم الأول: أن يدعو الإنسان للميت ويستغفر له .

القسم الثاني: أن يدعو الإنسان ربه لنفسه عند القبر .

القسم الثالث: أن يسأل الإنسان صاحب القبر أن يدعو له .

القسم الرابع: أن يدعو الإنسان صاحب القبر من دون الله تعالى .

القسم الخامس: أن يحصل الدعاء عند القبر اتفاقا بدون قصد وتحر .

 

وتفصيل هذه الأقسام كالتالي :

القسم الأول: أن يدعو الإنسان للميت ويستغفر له :

دعاء الإنسان للميت عند قبره من السنة وهي من حكم مشروعية زيارة القبور ، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث منها:

1 - ما رواه مسلم من حديث عائشة الطويل وفيه: (فَقَالَ إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَتْ قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) [1]

2 - وما رواه مسلم أيضاً عن بريدة قال كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر السلام على أهل الديار وفي رواية زهير (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية)[2]

3 -  ومنها ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: (السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر)  قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن غريب [3]

4 -  ومنها ما رواه مسلم عن عائشة أنها قالت كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلما كان ليلتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ..)[4]

5 - ومنها حديث عثمان بن عفان قال كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم وسلوا له بالتثبيت فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود [5]

   قال شيخ الإسلام في كلام له عن أنواع الزيارة للقبور: ( النوع الثالث : فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه ، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعله ، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور )[6] وقال النووي: ( يستحب أن يمكث على القبر بعد الدفن ساعة يدعو للميت ويستغفر له نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب )[7] وسئل الإمام أحمد عن الوقوف على القبر بعد ما يُدفن للميت ؟ قال : لا بأس به قد وقف علي والأحنف بن قيس ..)[8]

   قال ابن القيم: ( ومن تأمل حكمة مشروعية الزيارة للقبور علم أن من مقاصدها الإحسان إلى الميت بالدعاء له والترحم عليه ، والاستغفار له ..)[9]

 

القسم الثاني: أن يدعو الإنسان ربه لنفسه عند القبر [10]:

إن قصد الإنسان القبر من أجل أن يدعو لنفسه عندها من البدع المحرم وبيان ذلك:

1- إن الدعاء عبادة عظيمة من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف، لأن دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين [11]:

أحدهما: أن لا نعبد إلا الله وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله .

وثانيهما‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎:‎‎ أن لا نعبد الله إلا بما شرع لا بالحوادث والبدع ، وهو معنى شهادة أن محمدا رسول الله .

فالعبادة لا تصح ولا تقبل إلا بشرطين أساسيين: الإخلاص لله ، وتجريد المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فثبت بهذا أن مبنى العبادة على التوقيف ، ومن أهمها الدعاء ، فلو كان الدعاء عند الأضرحة يتعبد به الله تعالى لشرعه الله ورسوله ، ولفعله السلف الصالح ، فلم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية تحري الدعاء عند القبر ، مع كثرة ما ورد في باب الأدعية ، وكثرة مصنفات السلف فيها التي ذكروا فيها آدابها ومواقيتها وأماكنها وغير ذلك ، ولم نجد أحدا منهم قال بمشروعية التحري للدعاء عند القبر ، فدل هذا على أنه لم يرد في الشرع ، ولم يفعله السلف الصالح ، فثبت أنه بدعة إذ لو كان خيرا لسبقونا إليه وهم أحرص الناس على الخير )[12] ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎

2 - لأنه وسيلة وذريعة إلى الوقوع في الشرك ، ومن قواعد الشرعية العظيمة قاعدة سد الذرائع، فهي قاعدة متفق عليها بين العلماء ، والدعاء عند القبر ذريعة إلى دعاء صاحب القبر قال شيخ الإسلام: ( العلة التي نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك يقصدها ، وبالعكوف عليها ، وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة ، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة ، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء أو لدفع شر كالاستنصار، فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها ، أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية ، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلا ، أما الداعون المضطرون ، ففتنتهم بذلك عظيمة جدا ، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهى عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد )[13] وذلك لأن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، وقد تحقق وجود العلة هنا فالدعاء عند القبر ذريعة بدون شك إلى دعاء صاحب القبر فيكون منهيا عنه عند القبر .

 3-  إنكار السلف رضوان الله عليهم قصد القبور من أجل الدعاء ، ونهوا عن ذلك فقال من حمل علم السلف شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وما أحفظ لا عن صاحب ولا عن تابع ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء  عندها ، ولا روى أحد في ذلك شيئا ، لا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة المعروفين ، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته ، وذكروا فيه الآثار ، فما ذكر أحد منهم فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفا واحدا ، - فيما أعلم - فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه ، وتنهى عنه ولا تأمر به )[14]

4 - ( من المحال أن يكون الدعاء عند القبور مشروعا وعملا صالحا ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يُرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فهذه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في  أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى ، وهذه سنة خلفائه الراشدين ، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع ، أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها ، وتمسحوا بها ، فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها ، أو يسألوهم حوائجهم ،بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك ، وكلما تأخر الزمان ، وطال العهد ، كان ذلك أكثر ، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك ، بلى فيها خلاف ذلك كثير )[15]

5 - ومما يدل على أن السلف يرون الدعاء عند القبر بدعة أنهم قالوا في الرجل يسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يدعو مستقبلا القبر الشريف بل عليه إذا أراد الدعاء أن يستقبل القبلة ، قال شيخ الإسلام: ( ولم أعلم الأئمة تنازعوا في أن السنة استقبال القبلة وقت الدعاء لا استقبال القبر النبوي …)[16]

6 - ومما يدل على بدعية تحري الدعاء عند القبور أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة عند القبور وإليها ، ونهى عن اتخاذها مساجد[17]

فتبين من هذا أن قصد الدعاء عند القبور بدعة منكرة ، وإن لم تصل إلى الشرك فهي وسيلة إليه، قال إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب: ( أما بناء القباب عليها فيجب هدمها ، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر وكذلك الصلاة عنده ، وقصده لأجل الدعاء ، فكذلك لا أعلمه يصل إلى ذلك ، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك فيشتد نكير العلماء لذلك )[18]

 

القسم الثالث: أن يسأل الإنسان صاحب القبر أن يدعو له :

طلب الدعاء من صاحب القبر من البدع كأن يقول يا فلان أدع الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني ، فهذا وما يشبهه من البدع المحدثة قال شيخ الإسلام: (وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول أدع لنا ولا أسئل لنا ربك ، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ، ولا أمر به أحد من الأئمة ، ولا ورد فيه حديث بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر -رضي الله عنه- استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فيسقون [19] ولم يجيئوا إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلين : يا رسول الله : أدع الله لنا واستسق لنا ، ونحن نشكوا إليك مما أصابنا ، ونحو ذلك ، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط ، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، بل كانوا إذا جاءوا عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- يسلمون عليه ، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعو الله مستقبلي القبر الشريف ، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع )[20]

 

القسم الرابع: أن يدعو الإنسان صاحب القبر من دون الله تعالى :[21]

دل القرآن والسنة وأجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى ، وصرح بذلك كثير من علماء المذاهب ، وإليك تفصيل ذلك :

الأدلة من القرآن :

1 - قوله تعالى : } ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون { [المؤمنون :117] قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله في هذه الآية: ( والآية نص في أن دعا غير الله والاستغاثة به شرك أكبر )[22]

2 - قال تعالى : } قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين { [الأعراف :37]

3 - قال تعالى : } ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير { [غافر :12]

فهذه الآيات وأمثالها كثير واضحة الدلالة على شرك من دعا غير الله تعالى وكفره - أعاذنا الله وإياكم من ذلك - .

ثانيا : الأدلة من السنة :

1 - قوله -صلى الله عليه وسلم- : (إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)[23] فدل الحديث على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء والسؤال والاستعانة .

2 - حديث عبدالله بن مسعود قال قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار ، وقلت أنا - أي ابن مسعود - من مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة)[24]

ثالثا : الإجماع :

حكى إجماع العلماء على كفر من دعاء غير الله  شيخ الإسلام فقال: ( فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ، ويسألهم جلب المنافع ، ودفع المضار ، مثل أن يسألهم غفران الذنوب ، وهداية القلوب ، وتفريج الكروب ، وسد الفاقات ، فهو كافر بإجماع المسلمين )[25]

وقال أيضا: ( لو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله  ويستغيث به كان هذا شركا محرما بإجماع المسلمين )[26]

وقال أيضا : ( فكل من غلا في نبي أو رجل صالح ، وجعل فيه نوعا من الألهية مثل أن يدعوه من دون الله مثل أن يقول : يا سيدي فلان أغثني أو أجرني أو أنت حسبي أو أنا في حسبك ، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل )[27]

وقال الشوكاني : ( ..الواجب على كل من اطلع على شيء مما يفعله المعتقدون في القبور أن يبلغهم الحجة الشرعية ، ويقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات ويستغيث بهم عند حلول المصيبات  وينذر لهم وينحر لهم النحور ، ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية )[28]

وقال إمام الدعوة : ( فمن عبد الله ليلا ونهارا ثم دعا نبينا أو وليا عند قبر فقد اتخذ إلهين اثنين ، ولم يشهد أن لا إله إلا الله ، لأن الإله هو المدعو )[29]

 

القسم الخامس: أن يحصل الدعاء عند القبر اتفاقا بدون قصد وتحر :

إذا لم يتحر الدعاء عند القبر ، وجاء عند القبر للزيارة فقط ، أو مر على المقبرة فسلم ودعا لأهل المقبرة ثم دعا لنفسه..فلا بأس به لأنه وقع  ضمنا وتبعا ، ولم يقصد ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في السلام على أهل القبور ، فقد ورد في حديث بريدة بن الحصيب -صلى الله عليه وسلم- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أسأل الله لنا ولكم العافية)[30] وفي حديث عائشة مرفوعا: (ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)[31] وهذا الدعاء الذي لم يتحر فيه يكون في الغالب يسيرا وخفيفا كما في الحديثين السابقين .)[32]ولابد أيضاً في هذا الدعاء أن يكون ضمنا وتبعاً لا استقلالاً ، وأن لا يحصل به تغرير على غيره [33].

 

***

 

المسألة الثانية: شبهات في إباحة الدعاء عند القبور :

الشبهة الأولى: قالوا : ( إن الحوائج تقضى  بعض الأوقات عند القبور مما يسوغ لنا الدعاء عندها )[34]

والجواب عن هذه الشبهة بأن كلامكم ليس بصحيح ومما يدل على بطلانه وجوه :

أحدها: أن المشركين وأهل الكتاب يقضى كثير من حوائجهم بالدعاء عند الأصنام ، وعند تماثيل القديسين ، والأماكن التي يعظمونها ، وتعظيمها حرام في زمن الإسلام ، فهل يقول مسلم : إن مثل ذلك سوغ لهم هذا الفعل المحرم بإجماع المسلمين ؟ )

الوجه الثاني: أن هذا الباب يكثر فيه الكذب جدا ، فإنه لما كان الكذب مقرونا بالشرك ، كما دل عليه القرآن في غير موضع ..كان في هذه المشاهد من الشرك ما فيها ، اقترن بها الكذب من وجوه متعددة :

منها: دعوى أن هذا قبر فلان المعظم أو رأسه ، ففي ذلك كذب كثير .

والثاني: الإخبار عن أحواله بأمور يكثر فيها الكذب .

والثالث : الإخبار بما يقضى عنده من الحاجات ، فما أكثر ما يحتال المعظمون للقبر يلبسون على الناس أنه حصل به خرق عادة ، أو قضاء حاجة ، وما أكثر من يخبر بما لا حقيقة له ..)

الرابع : الإخبار بنسب المتصلين به ، مثل كثير من الناس يدعي الانتساب إلى قبر ذلك الميت إما ببنوة ، وإما بغير بنوة ..ليكون سادن قبره ..)

( الوجه الثالث : أنه إذا قضيت حاجة مسلم وكان قد دعا دعوة عند قبره ، فمن أين له أن لذلك القبر تأثيرا في تلك الحاجة ؟ ..ثم تلك الحاجة : إما أن تكون قد قضيت بغير دعائه ، وإما أن تكون قضيت بدعائه ، فإن كان الأول فلا كلام ، وإن كان الثاني : فيكون قد اجتهد في الدعاء اجتهادا لو اجتهده في غير تلك البقعة أو عند الصليب لقضيت حاجته ! فالسبب هو اجتهاده في الدعاء ، لا خصوص القبر .

الوجه الرابع : أنه إذا قدر أن للقبور نوع تأثير في ذلك سواء كان بها ..أو كان بسبب آخر ، فيقال : ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعا ، بل ولا مباحا ، وإنما يكون مشروعا إذا غلبت مصلحته على مفسدته ، أما إذا غلبت مفسدته فإنه لا يكون مشروعا ، بل محظورا ، وإن حصل به بعض الفائدة …)[35]

***

الشبهة الثانية: قوله تعالى } ولو أنهم إذ ظلموا أنفسكم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما {[النساء :64] قالوا : ( الآية وإن وردت في أقوام معينين في حالة الحياة وبعد الموت ، فتعم الحالتين الحياة والموت )

والجواب إن هذه الآية لا تدل على ما ادعوه لوجوه [36]:

1 - أن الآية خاصة بحياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك لأن الآية نزلت فيمن ترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذهب إلى الطاغوت وتحاكم إليه ، فهذا أساء إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وترك حقا من حقوقه واعتدى على حق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو التحاكم إليه ، فهذا لا تتحقق توبته إلا بالمجيء إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- والاعتراف بالخطأ بترك التحاكم إليه ، ويدل على ذلك أن " لو " من حروف الشرط ، وحرف الشرط يدل على أن وجود الجواب يتوقف على وجود الشرط ، ففي هذه الآية قد اشترط لحصول التوبة مجيئهم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستغفارهم الله واستغفار الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم ، ومثل هذا الشرط لم يأت في الكتاب والسنة لغير هذا الذنب ، فدل ذلك على أن ذنب التحاكم إلى غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع وجوده ليس إساءة إلى الله فقط ، بل فيه اعتداء على حقوق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولذا اشترط مجيئهم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- [37]

2 -  أنه لو دلت الآية على كون زيارة القبر قربة ، وعلى أنه شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له ، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين وأجلها ، وهذه مضادة صريحة لما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تجعلوا قبري عيدا) [38]  

3 - إن أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه وهم سلف الأمة ، لم يفهم منهم أحد المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم ، ولم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ، ويقول يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي ، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة و التابعون - وهم خير القرون على الإطلاق - هذا الواجب القربة ، التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق ، ووفق له من يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم  )[39] زاد في الصارم المنكي : ( وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام ، من أهل الحديث والفقه والتفسير ، ومن لهم لسان صدق في الأمة ، فلم يدعوا إليه ، ولم يحضوا عليه ، ولم يرشدوا إليه ، ولم يفعله أحد منهم البتة ، بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك ، والجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية )[40]

4 - ( ومما يدل على بطلان تأويله قطعا أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته ، وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذموما غاية الذم ، مغموصا بالنفاق ، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له ، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل ، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق )[41]

 

الشبهة الثالثة: استدلوا بما روى عن الشافعي أنه قال : ( إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم ـ أي زائرا ـ فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين ، وجئت إلى قبره ، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى )[42]

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه :

1 - فعل الإمام الشافعي - لو صح - ليس بحجة شرعية تثبت به الأحكام فالأحكام مبناها على الكتاب والسنة وسبيل السابقين ، ولا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا أو استنباطا )[43]

2 - ضعف هذه القصة قال شيخ الإسلام : ( هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل ، فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ييغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبته ، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا .

3 - وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين ومن كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء ، فماله لم يتوخ الدعاء إلا عنده ؟

4 - ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وغيرهما لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره

5 - ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها [44]

 

الشبهة الرابعة: استدلوا بما روى عن الحسن بن إبراهيم الخلال أنه قال : ( ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله لي ما أحب )[45]

والجواب :

1 - إن الحكايات ، والمنامات لا تقوم بها حجة في شرع الله تعالى الذي أكمله وأتمه على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى : } اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي { [المائدة :3]

2 - أن أغلب هذه الحكايات لا تصح عمن نقلت عنه وإنما هي اختلاق من الدجالين الأكالين لأموال الناس ، قال شيخ الإسلام : ( المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي - تقدم ذكرها - وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف. [46]

 

 د . محمد بن عبد الله الهبدان

 


[1] رواه مسلم ( 974)

[2] رواه مسلم (975)

[3] رواه الترمذي (973)

[4] رواه مسلم (974)

[5] رواه أبو داود (3221 ) والحاكم )1/370) والبيهقي (4/56) وقال الحاكم صحيح الإسناد ، وقال النووي في المجموع (5/292) إسناده جيد .

[6] الجوابر الباهر ص81

[7] المجموع (2/294)

[8] المغني (3/437)

[9] إغاثة اللهفان (1/198)

[10] انظر : الدعاء للعروسي (2/604) فهو مفيد في بابه .

[11] انظر عن هذين الأصلين : منهاج السنة (1/481) و(2/448) والرد على البكري ص52  وقاعدة في التوسل ص 41 –123 158)

[12] الدعاء للعروسي (2/605)

[13] الإقتضاء (2/

[14] الإقتضاء (2/721) و(2/766)

[15] إغاثة اللهفان (1/202) بتصرف

[16] مجموع الفتاوى (27/166)

[17] الدعاء للعروسي (2/617)

[18] مجموع مؤلفات الشيخ القسم الثالث : الفتاوى ص70

[19] رواه البخاري (1010)

[20] مجموع الفتاوى (2/76)

[21] انظر : الدعاء للعروسي (2/529)

[22] تيسير العزيز الحميد ص

[23] رواه الترمذي (ي (2516) وأحمد (1/263) من حديث ابن عباس t

[24] رواه البخاري  (4497) ومسلم (92)

[25] مجموع الفتاوى (1/124 ) وقد نقل الإجماع عن شيخ الإسلام غير واحد مقرين له منهم : ابن مفلح في الفروع (6/279) والمرداوي في الإنصاف (1/327) وصاحب الغابة (6/279) وصاحب الإقناع (4/297) وشارحه (6/168) وغيرهم .

[26] الجواب الباهر ص82

[27] مجموع الفتاوى (3/395)

[28] الدر النضيد ص 24

[29]

[30] رواه مسلم (975)

[31] رواه مسلم (974)

[32] الدعاء للعروسي (2/623)

[33] انظر : الدر النضيد ص138

[34] انظر : مجموع الفتاوى (27/172

[35] مجموع الفتاوى (27/172) باختصار

[36] انظر في الرد على هذه الشبهة مفصلة في : الصارم المنكي ص319 و صيانة الإنسان ص23

[37] تفسير المنار (5/190 –191 ) نقلا من كتاب الدعاء للعروسي (2/700)

[38] صيانة الإنسان ص 40

[39] صيانة ص 41

[40] ص320

[41] الصارم المنكي ص321

[42] تاريخ بغداد (1/123)

[43] انظر : الإقتضاء  ص      و مصباح الظلام ص303 والصارم ص323

[44] انظر :الإقتضاء ص343        

[45] تاريخ بغداد (1/120)

[46] الإقتضاء (        ومنهاج السنة (2/451) و (3/491)