الصلاة على الجنازة وما يتفرع عليها

المسألة الأولى : حكم الصلاة على الجنازة في المقبرة :

 

اختلف العلماء فيها على قولين :

 

القول الأول : لا يصلى عليها في المقبرة وهذا قول ابن عمر ومالك وأبي حنيفة ورواية لأحمد والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وغيرهم[1]

 

واستدلوا لذلك بما يلي:

 

1 ـ  حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام "[2]

 

أجيب : أن هذا الحديث عام وقد جاء ما يخصصه من النصوص ، فقد ثبت كما مر سابقا أن النبي r صلى على القبر .[3]

 

2 ـ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه صلى على جنازة فلما فرغ جاء عمر ومعه قوم فأراد أن يصلي ثانياً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم  : "  الصلاة على الجنازة لا تعاد ولكن ادع للميت واستغفر له "[4]

 

أجيب : قال الحافظ ابن عبدالهادي : ( هذا شيء لا يعرف )[5] .

 

القول الثاني : يصلى عليها في المقبرة وهذا مذهب الجمهور.[6]

 

قال ابن رشد رحمه الله : ( الصلاة على القبر ثابتة باتفاق من أهل الحديث )[7]وقال الترمذي رحمه الله : ( العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  وغيرهم ..)[8] وقال الإمام أحمد :( يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم  من ستة أوجه أنه صلى على قبر بعد ما دفن )[9]وأضاف ابن عبد البر ثلاثة أوجه وقال :( كلها حسان )وساقها بأسانيده .[10]

 

ومن هذه الأدلة :

 

1 ـ حديث أبي هريرة أن امرأة أو رجلا كانت تقم المسجد ولا أراه إلا امرأة فذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم   أنه صلى على قبرها "[11]

 

2 ـ حديث الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعا قال الشيباني فقلت للشعبي من حدثك بهذا قال الثقة عبد الله بن عباس " [12]

 

3 ـ حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر "[13]

 

هذه بعض أدلتهم في جواز الصلاة على الجنازة داخل المقبرة .

 

الترجيح :

 

بهذا يترجح والله أعلم قول الجمهور القائلين بجواز الصلاة على الجنازة في المقبرة وذلك في حق من صلى عليها وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [14]

 

أما من لم يصل عليها فقال الشوكاني : ( ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة ، وجعل الدفن مسقطا لهذا الفرض محتاج إلى دليل …وقد استدل بحديث الباب ـ أي حديث ابن عباس ـ على رد قول من فصل فقال : يصلى على قبر من لم يكن قد صلى عليه قبل الدفن لا من كان قد صلى عليه لأن القصة وردت فيمن قد صلى عليه ، والمفصل هو بعض المانعين )[15]

 

***

 

المسألة الثانية :حكم الصلاة على الجنازة أوقات النهي :

 

بعد عرفنا القول الصحيح في حكم الصلاة في المقبرة لابد من بيان الأوقات التي يجوز للإنسان أن يصلي فيها من غيرها وهذا يحتاج إلى تفصيل فنقول وبالله التوفيق :

 

أولاً : إذا كانت الجنازة قد دفنت : فهذه لا تجوز الصلاة عليه في شيء من أوقات النهي

 

( لأن علة تجويزها على الميت معللة بالخوف عليه ، وقد أُمن ذلك هاهنا ، فيبقى على أصل المنع والعمل بعموم النهي )[16]

 

ثانياً : إذا كانت الجنازة لم تدفن بعد  : ففيه تفصيل :

 

1 ـ إذا كان الوقت بعد الصبح وبعد العصر : فهذا لا بأس بالصلاة على الجنائز فيهما وذلك لأمور :

 

أ )  نقل الإمام الشافعي الإجماع على ذلك. [17]

 

ب ) ما ورد أن ابن عمر : ( كان يصلي على الجنازة بعد العصر ، وبعد الصبح )[18]

 

جـ ) ما ورد أن أبا هريرة صلّى على جنازة ، والشمس على أطراف الحيطان [19]

 

2 ـ إذا كان في الأوقات المغلظة وهي : عند طلوع الشمس ، ونصف النهار ، وعند غروب الشمس كما في حديث عقبة بن عامر t ثلاث ساعات كان رسول الله r ينهانا أن نصلي فيهن ، وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى يميل ، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب " رواه مسلم[20]

 

فقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين :

 

القول الأول :التحريم ، فلا تجوز الصلاة على الميت في هذه الأوقات ، روى ذلك عن ابن عمر وعطاء و النخعي و الأوزاعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ورواية لأحمد اختارها ابن قدامة [21]

 

واستدلوا :

 

1 ـ بحديث عقبة المتقدم .قال بن المبارك :( معنى أن نقبر فيهن موتانا ، يعني الصلاة على الجنازة )[22]

 

2 ـ ما ورد أن ابن عمر قال في جنازة رافع بن خديج : ( إن لم تصلوا حتى تطفل الشمس ، فلا تصلوا عليها حتى تغيب )[23]

 

3 ـ ما ورد أن ابن عمر قال حين أتى بجنازة بعد صلاة الصبح : ( إما أن تصلوا عليها الآن ، وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس )[24]

 

القول الثاني الجواز : وهو قول الشافعي وحكي عن أحمد[25]

 

ودليلهم : القياس على ما بعد العصر والفجر

 

أجيب : قياسهم لا يصح (لأن مدتهما تطول ، فيخاف على الميت فيهما ، ويشق انتظار خروجهما ، بخلاف هذه )[26]

 

الترجيح :

 

الصواب من قال بالقول الأول للحديث وهو نص في المسألة ، والله أعلم .

 

 

 

*     *    *

 

المسألة الثالثة : الصلاة على الجنازة قبل دفن :

 

وصورة المسألة : هل من شرط الصلاة على الجنازة أن تكون مدفونة أم لا ؟

 

اختلفوا في ذلك :

 

القول الأول : لابد من دفنها ، قال ابن رشد رحمه الله :( اتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن ..)[27]

 

القول الثاني : جواز الصلاة عليها قبل دفنها وهذا اختيار الإمام ابن القيم رحمه الله

 

وعُلّل ذلك بأنه: ( مادام أنه صلى الله عليه وسلم صلى على القبر ، فلا فرق بين أن يصلي على جنازة مدفونة أو على جنازة غير مدفونة ، لأن العلة واحدة وهي أن هذا الميت الذي يصلى عليه كان في المقبرة ..)[28]

 

قال ابن القيم في معرض كلام له عن جواز الصلاة على الجنازة في المقبرة : ( رُدت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله : " لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها " وهذا حديث صحيح ، والذي قاله هو الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله ، ولايناقض أحدهما الآخر ، فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر ، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان ، بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه ، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه ، فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ، ولا فرق بين كونه على النعش ، وعلى الأرض ، وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات ، فإنها لم تشرع في القبور ، ولا إليها لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد ، وقد لعن رسول الله r من فعل ذلك ، فأين ما لعن فاعله وحذر منه ؟ وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ،  والذين يتخذون القبور مساجد " إلى ما يفعله r مرارا متكررة )[29]