أسباب الافتتان بالقبور

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

فإن الله تعالى أرسل الرسل ، وأنزل الكتب تبيانا لأهم قضية خُلقت الخلائق من أجلها ألا وهي قضية التوحيد والنهي عن الشرك ، وقد ركز القرآن والسنة في بيان هذه القضية ووضحها غاية الإيضاح وبينها غاية البيان حتى غدت من ضروريات هذا الدين التي لا يمكن جهلها ، ولكن لما اشتدت غربة الإسلام وتباعد عصر النبوة ، انتشر الشرك في الأمة وعظم الخطب في أصحاب القبور حتى اعتقد دهماء الناس فيهم أنهم ينفعون ويضرون من دون الله ،وأصبحوا يعتقدون فيهم الاعتقادات الباطلة ، والخرافات الساقطة ، فلما كان ذلك كذلك احتاج الأمر إلى دراسة الأسباب التي جعلت الكثير من أفراد الأمة يفتنون في أصحاب القبور ، حتى يتم علاجها وإيجاد الحلول المناسبة لهذه القضية الجلل (لأن معرفة المرض وسببه يعين على مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم )[1] وهذه الأسباب متفاوتة من جهة تأثيرها على الناس و متعددة وسأذكر ـ إن شاء الله تعالى ـ بعض هذه الأسباب مقدما الأهم فالأهم فأقول وبالله التوفيق :

السبب الأول : الجهل بحقيقة هذا الدين :

لقد كان الناس قبل البعثة في جاهلية جهلاء ، وضلالة عمياء ، حتى جاءهم بمن أخرجهم من ظلمات الجهل ، إلى نور العلم ، جاءهم بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم ليعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم : } لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ { [آل عمران :164] فما مات صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الرسالة وأد ى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ، ثم قام أصحابه بتبليغ رسالته لمن بعدهم فكانوا أعلم الناس بنبيهم r ثم حمل عنهم العلم من بعدهم  وهكذا كل جيل يحمل العلم عن سلفه ،وفي هذا كله لا يزال العلم ينقص ، ويكثر الجهل كلما امتد الزمان وذلك مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن" [2] وقد حصل بالفعل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد انتشر (الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله ، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد ، وقطع أسباب الشرك ، فقلّ نصيبهم جداً من ذلك ، ودعاهم الشيطان إلى الفتنة ، ولم يكن عندهم من العلم ما يُبطل دعوته ، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل ، وعصموا بقدر ما معهم من العلم .)[3]بل وصل الأمر عند بعض دهماء الأمة إلى جعل الاستغاثة والطواف بالقبور من الطاعات التي يتسابقون إليها أشد من تسابقهم إلى الطواف بالبيت الحرام والاستغاثة بالله Y ولذا يقول ابن القيم رحمه الله : ( قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل ، وخفاء العلم ، فصار المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، والسنة بدعة ، والبدعة سنة ، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير ، وطمست الأعلام ، واشتدت غربة الإسلام ، وقلّ العلماء ، وغلب السفهاء ، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين )[4] وقد بين ابن الجوزي رحمه الله أن ( الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل ، فهو يدخل منه على الجهال بأمان ، وأما العالم فلا يدخل إلا مسارقة ) [5]وقال القرافي المالكي ( ..أصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت ، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله تعالى هو المعين على الخير كله )[6]

وهذا الجهل الذي وقعت به الأمة ناتج والله أعلم عن أمرين :

الأول : الإعراض عن الكتاب والسنة تعلما وتعليما وتدبرا وتفهما لما فيهما :

فمن أعرض عن السنة اشتغل بالبدعة ، ( وأما من أصغى إلى كلام الله بقلبه ، وتدبره وتفهمه ، أغناه عن السماع الشيطاني الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وينبت النفاق في القلب ، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول r بكليته ، وحدّث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات ، التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها ، ومن بعد عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه ، كما أن من غمر قلبه بمحبة الله تعالى وذكره ، وخشيته ، والتوكل عليه ، والإنابة إليه ، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه ، وأغناه أيضاً عن عشق الصور ، وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه ، أي شيء استحسنه ملكه واستعبده .

فالمعرض عن التوحيد مشرك ، شاء أم أبى ، والمعرض عن السنة مبتدع ضال ، شاء أم أبى ..والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .)[7]

الثاني : أنهم حملوا نصوص الكتاب والسنة على أناس قد مضوا ، وأما هم فغير مخاطبين بهما وهذا ما يتصوره ( أكثر الناس ، لا يشعرون بدخول الواقع تحته ، وتضمنه له ، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا ، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم ، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ) وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك ، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ، ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه .. )[8]وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله :( ..ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين ، وما حكم عليهم ووصفهم به ، خاص بقوم مضوا ، وأناس سلفوا وانقرضوا ، ولم يعقبوا وارثا ، وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين ، هذه نزلت في عباد الأصنام ، هذه في النصارى ، هذه في الصابئة ، فيظن الغُمْر أن ذلك مختص بهم ، وأن الحكم لا يتعداهم ، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة .)[9]

السبب الثاني : علماء الضلال

من أسباب انتشار الفتنة بأصحاب القبور علماء أهل الضلال ، وهؤلاء ابتليت الأمة بهم حتى وصل الأمر ببعضهم كما قال شيخ الإسلام أنهم : ( يُصنفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك ، ويتقربون إليهم بالتصنيف فيما يوافقهم ..) [10] وقد صنف شيخ الرافضة ابن النعمان المعروف عندهم بالمفيد كتابا سماه :" مناسك المشاهد " جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياما للناس ، وهو أول بيت وضع للناس فلا يطاف إلا به ، ولا يُصلي إلا إليه ، ولم يأمر الله إلا بحجه. [11]وهؤلاء الذين صنفوا هذه الكتب لهم أغراض فاسدة منها التقرب إلى الأئمة ، ومنها إضلال الأمة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس عن سبيل الله ، ويفسدوا عليهم دين الإسلام ، وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله ..ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه ، واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ورسوله حتى فتنوا أمما كثيرة وصدوهم عن دين الله . وأقل ما صار شعارا لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين .وأما المساجد فيخربونها فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما أصلوه من شعب النفاق وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم ونحو ذلك من ضلالتهم ..)[12]بهذا تعرف مدى تأثير هؤلاء العلماء في انتشار الفتنة بأصحاب القبور .

السبب الثالث: الأئمة المضلون

لا يشك عاقل في خطرهم وكما قيل: الناس على دين ملوكهم ، وقد حذر r الأمة منهم بقوله كما في حديث ثوبان رضي الله عنه : " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " [13] وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر : هل تعرف ما يهدم الإسلام ؟ قال :قلت لا ، قال : يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين " [14] والمشاهد لم تكن معروفة في العصور المفضلة ، ولكن ظهرت وكثرة في دولة بني بوية ، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار ، مقصودهم تبديل دين الإسلام ، وكان في بني بوية من الموافقة لهم على بعض ذلك …[15] وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي t بناحية النجف [16] وبلغ من أمر القرامطة الذين كانوا بالمشرق في تلك الأوقات أنهم أخذوا الحجر الأسود ، وبقي معهم مدة ..[17] بل وصل الأمر عند بعضهم أنه ادعى الألوهية ـ قاتله الله ـ وهو الحاكم بأمر الله الباطني العبيدي الجبار العنيد والشيطان المريد ، قال ابن كثير رحمه الله عنه ( ..كان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدا له ، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ، ممن كان لا يصلي الجمعة ، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم )[18]

وما أجمل ما قاله الإمام عبدالله بن المبارك :

              وهل أفسد الدين إلا الملوك       وأحبار سوء ورهبانها

السبب الرابع: الشبهات التي يتمسكون بها في تسويغ فعلهم عند القبور :

ومن الأسباب التي أدت إلى الفتنة بأصحاب القبور بعض الشبهات التي يتشبث بها أصحاب القبور وهي شبه أوهى من بيت العنكبوت وكما قيل :

حجج تهافت كالزجاج تخالها   حقا وكل كاسر مكسور[19]

وهذه الشبه على ثلاثة أقسام [20]:

1 ـ نصوص متشابهة مجملة ، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه ، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها ، ولا معرفة لما دلت عليه .

2 ـ ( أحاديث مكذوبة مختلقة ، وضعها أشباه عُباد الأصنام ، من المقابرية ، على رسول اللهr تُناقض دينه وما جاء به كحديث " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور " وحديث " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه " وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام ، وضعها المشركون ، وراجت على أشباههم من الجهال الضلال ، والله بعث رسوله يقتل من حسّن ظنه بالأحجار ، وجنّب أمته الفتنة بالقبور بكل طريق .

3 ـ  (حكايات لهم عن تلك القبور ، أن فلاناً استغاث بالقبر في شدة فخلص منها ، وفلاناً دعاه أو دعا به في حاجة ، فقضيت له ، وفلانا نزل به ضرُ فاسترجى صاحب ذلك القبر ، فكشف ضره ، وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره [21]،وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات .)[22] وقد يكون ما ذكروه صحيحا أحيانا وذلك بسبب أن الشيطان قد يتراءى لبعض أولئك بصورة من يعتقد فيه أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه ؛ كالخضر وعبد القادر . وقد تخاطب هؤلاء الشيطان من استغاث بغير الله أو دعاه ، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به ، ويقول أحدهم : رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا ..[23]

السبب الخامس : الغلو في تعظيم قبور الصالحين [24]:

من الأسباب التي أدت إلى انتشار الفتنة بأصحاب القبور هو الغلو في تعظيم المقبورين ، وقد جاءت النصوص الكثيرة في التحذير من هذا الداء العضال على سبيل العموم سواء كان ذلك في جانب العقيدة أو العبادة ،يقول الله تعالى : } قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ  { [المائدة :77{ وقوله سبحانه } يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ { [النساء :171] فهاتان الآيتان وإن كان الخطاب موجه فيها إلى أهل الكتاب فإن أمة محمد r تدخل فيها تبعا [25]لأنها قد نُهيت عن اتخاذ سبيلهم والسير على منوالهم واتباع نهجهم وهذا واضح غاية الوضوح لمن تتبع الأدلة واستقرأها [26]

وجاء في حديث الفضل بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " [27] قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة بناءً على أنها أبلغ من الصغار ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم أي هدي من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به ، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك )[28]

وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن سبب شرك بني آدم هو الغلو في تعظيم قبور الصالحين فقال: ( والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين : أولها : تعظيم قبور الصالحين ، وتصوير تماثيلهم للتبرك بها ، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون وهو شرك قوم نوح ..)[29] وقد ذكر ابن القيم أن من أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس ، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته ( ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور ، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله ، وعُبدت قبورهم ، واتخذت أوثانا ، وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها ، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل ، ثم جعلت أصناما ، وعبدت مع الله تعالى وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح ، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه ، حيث يقول : } قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ، وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا { [نوح :21-24] ..قال غير واحد من السلف : " كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح عليه السلام ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين : فتنة القبور ، وفتنة التماثيل ، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله r في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها : " أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة ، يقال لها مارية ، فذكرت له ما رأت فيها من الصور ، فقال رسول الله : " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح ، أو الرجل الصالح ، بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى " [30]..فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور ، وهذا كان سبب عبادة اللات ، فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد } أفرأيتم اللات والعزى { [النجم :19] قال : " كان يلت لهم السويق فمات ، فعكفوا على قبره " وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : " كان يلت السويق للحاج " .

فقد رأيتَ أن سبب عبادة وَدّ ، ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوهم كما أشار إليه النبي r ..)[31]

فالحاصل أن الغلو في قبور الصالحين من الأسباب التي أدت إلى انتشار الفتنة بأصحاب القبور في العالم الإسلامي .

السبب السادس : الشهوة وتحقيق اللذة :

من أسباب انتشار الفتنة بأصحاب القبور الشهوة وتحقيق المكاسب ومن تلك المكاسب الحصول على الأموال ، فالسدنة الذين حول القبور لهم الأثر البالغ في تعظيم أصحاب القبور وذلك من خلال اختلاق القصص والترهات التي يحكونها عن صاحب القبر حتى يعظم قدره عند زواره فيحصل هو على مكاسب منها :

1 ـ الحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال التي تقدم لصاحب القبر ..

2 ـ الحصول على الجاه والشرف والمكانة بين الناس .

 يقول العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى : ( وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم ، وعلى من يعولونه ، ويجعلون ذلك مكسبا ومعاشا وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ، ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه ، ويوقدون في المشهد الشموع ، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم ، فيبهر الزائر ، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده ، والاستغاثة به والالتجاء إليه ، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر )[32]

وأما بالنسبة لغير السدنة فمن صور الشهوات ما يحصل عند القبور من الاختلاط والفساد العظيم بين الرجال والنساء ما يندى له الجبين وسيأتي إن شاء الله تعالى في ثنايا الرسالة ما يوضح ذلك .

وأعظم من ذلك وأطم من صور الشهوات سهولة الأعمال الشركية التي تؤدى عند القبور ومشقة التكاليف الشرعية فيكفي أن تعلم ـ على حد زعمهم ـ  أن زيارة للولي تكفر الخطايا والذنوب وأن شفاعته مضمونة لأحبابه ومريديه فلا حاجة إذن للتقيد بالأحكام الشرعية فإنه يغني عنه دعاء الولي والالتجاء إليه وزيارته ، قال أبو الوفاء  ابن عقيل الحنبلي رحمه الله في الفنون: ( لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم ، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم ، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع ، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع يا مولاي افعل بي كذا   وكذا ..)[33] .

السبب السابع : تأثر المسلمين بمن اختلط بهم من أصحاب الديانات الأخرى :

من أسباب انتشار الفتنة بأصحاب القبور اختلاط المسلمين بأصحاب الديانات الأخرى من يهود ونصارى وغيرهم وهؤلاء عندهم اعتقادات وأباطيل كثيرة ، تأثر بها بعض ضعاف المسلمين ، فتعظيم القبور كان موجودا عند اليهود والنصارى وفي النصارى أكثر وأشد قالr : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا " [34] ، ولأن النصارى يعيشون بين المسلمين أكثر من غيرهم من أهل الديانات الأخرى كان التأثر بهم أكثر ؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر أن كثيرا : ( من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى ، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ، ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم )[35] ولو تأملت بعض ما يفعله القبوريون لعلمت أنه امتداد لعادات وثنية كانت سائدة قبل الإسلام : ( وأول هذه العادات : تقديس الأولياء ، تلك العادة التي لقيت رواجاً سريعا وعميقا في نفوس المصريين لارتباطها بطبيعتهم منذ فجر التاريخ ، ففكرة تشييد المساجد الجميلة فوق أجساد الموتى وتقديسهم تتصل بجذور الفكر الديني المصري منذ العصر الفرعوني ، ولا سند لها في القرآن والسنة ..)[36](  يقول الشيخ محمد رشيد رضا معقباً على ما ادعاه أحد مشايخ القبورية في تسويغ اتخاذ القبور والأضرحة واسطة للشفاعة : ( هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله تعالى عنهم …وهو ما يفعله بعض النصارى عند قبور القديسين ) ويقول أيضا : ( ولا تظنوا أن الهندوس ليس عندهم كهنة يتأولون لهم بدعهم الوثنية كما تأول هذا العالم الأزهري ..واحتج لهم بأنهم كأنجاس الهند المنبوذين ، ليس لأحدهم أن يتقرب إلى الله تعالى بنفسه ، بل لابد له من أحد هؤلاء المعتقدين ليقربه إليه زلفى )[37] ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي : ( وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليدا ناجحا للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم ، فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم ، ومد يد الطلب والضراعة إليهم كل ذلك كان عاما شائعا بينهم…)[38] ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا صورة من هذا التشابه ، فيقول : ( في بنارس [ في الهند ] قبر أبي البشر آدم عليه السلام وقبر زوجه وقبر أمه ! ( ويقال : إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة ) وقبور قضاته ، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب كقبة أمير المؤمنين علي في النجف وقباب غيره ..وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها والتمسح بها وتلاوة الأدعية والأوراد عندها كغيرها من تماثيل معبوداتهم ، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور لها ولسدنتها وكهنتها ، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات فيها أن علماء وثنيي الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها ، وأنهم ليس لهم فلسفة في عبادتها )[39]

بهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم ، ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية ، سبب من الأسباب التي أدت إلى انتشار الفتنة بأصحاب القبور .

هذه بعض الأسباب التي أدت إلى انتشار الفتنة بأصحاب القبور في بلاد الإسلام حتى عمت البلوى بها في كل مكان حتى لا تكاد ترى من يسلم من ذلك إلا من وفقه الله لسلوك سبيل المؤمنين الموحدين  فنسأل الله تعالى أن يصلح حال الأمة وأن يزيل عنها الغمة وينصر السنة ويقمع البدعة إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل .