بين همة وهمة

 

في السنة الثانية من الهجرة حدثت معركة بدر الكبرى الشهيرة .. والتي كانت فاصلة بين الحق والباطل ، والنور والظلمة ، والإيمان والطغيان ، وجرت فيها أحداث ، وحصلت فيها فصول وأخبار .. وكان من ضمن أخبارها.. ما جرى لأبي جهل.. فرعون هذه الأمة.. عندما جاء إليه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وعلا صدر أبي جهل ليجتز رأسه العفن ، فرفع ابن مسعود رأس أبي جهل ليقطعه ، هنا دار حوار بينهما.. وكان من ضمن الحوار قول أبي جهل لابن مسعود.. لمن الدائرة اليوم ؟! يا سبحان الله .. أبو جهل في سكرات الموت وفي غصص الاحتضار وآلام النزع ، والجروح تنزف ، والدماء تسيل ، ومع ذلك كله لا ينسى القضية التي نافح من أجلها .. وقاتل في سبيلها حتى في هذه الحالة من الضعف والوهن يسأل .. لمن الدائرة اليوم؟ من الذي انتصر اليوم؟ لمن الغلبة اليوم؟! هل هو جيش قريش كي أغادر الحياة وأنا قرير العين ..مرتاح الضمير ..قد نجحت جهودي .. وربحت الجولة!! هكذا أصحاب المبادئ.. يعيشون ويموتون من أجل مبادئ باطلة ..وأفكار منحرفة ..ويتحملون من أجلها حز الأعضاء ، وقطع الرؤوس ، وفي المقابل هل نرى ذلك التفاني في خدمة الدين ممن منَّ الله عليهم بالدين الحق والهداية والإيمان؟! هل يعيش أصحاب القيم العالية من أجل قيمهم ويقدمون من أجلها الغالي والنفيس أم يقدمون لها فتات الأوقات وقليل الأموال ؟! وهل يُضحي أصحاب المبادئ السامية من أجل مبادئهم أم ينشغلون بحياتهم اليومية ويهتمون بقضاياهم الشخصية ؟!! كم هي المفارقة المؤلمة أن يقدم أبو جهل لعقيدته ويتساءل عنها وهو في الرمق الأخير ويتقاعس أهل الخير والصلاح عن دعواتهم !! ولكن بحمد الله تعالى لا يزال في الأمة خير.. فهناك رجال واصلوا الليل بالنهار.. يفكرون في قضايا الأمة حتى في أوقات الأسحار ..يكتبون ويعملون ..ويتحركون ويُحركون ، ويبذلون الأموال والأوقات ..يرجون تجارة لن تبور نسأل الله أن يبارك فيهم ويكثر من أمثالهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .