كيف يمكن أن أعيش ؟

 

تدمع عينك .. ويحزن قلبك .. وتتفطر نفسك .. حينما يأتي إليك رجل رث الهيئة .. تظهر عليه آثار الفاقة .. وتبرز عليه معالم الفقر من خلال قسمات وجهه .. ونحالة جسمه .. وبذاذة ثيابه .. ثم يطلب منك أن تستمع إلى شكواه قليلاً .. يتوسل إليك أن تصغي إلى قضيته .. فتستجيب له رغم كثرة الهموم وتكاثر الغموم ..خاصة أنه يغلب على ظنك أنك لا تستطيع مساعدته ..لكن الذي يعزينا أن حسن الإنصات قد يخفف من ألم أمثال هؤلاء .. يبدأ بالحديث معك عن مشوار حياته .. وفصول مأساته .. فإذا به يقول لك .. أحسن الله إليك: أنا موظف راتبي لا يتجاور ثلاثة آلاف ريال بل هو أقل وعندي زوجة وثمانية أولاد .. ولا يخفى عليك جشع أصحاب العقار فالأسعار نار .. وإن خرجنا فمن أين لنا الدار ؟! وقد كنت في الأيام الماضية أحلام بأحلام وردية ..فأسرح بخيالي الواسع ..فإذا أنا ببيت جميل ..أرى فرحة أم فلانة قطرت على قسمات وجها ..وأرى الأولاد يتراكضون في مسكننا الفسيح ..ويكادون يتطايرون فرحاً وطربا ..فعزمت أن أدخل في عالم الأسهم المالية ..لأحقق أمنياتي السعيدة ..ولكن وللأسف الشديد طارت الأحلام ..وذهبت الأمنيات ..وراحت الأحلام ..لقد كنت أطمح بتحسن أمورنا ونتوسع قليلا ..فإذا بالأسهم تنهار حتى أكلت ما حرمت منه صبية الصغار ..الذين كانوا يتضاوون جوعاً أمامي ..وبكاؤهم يصل إلى نياط قلبي ..وأحاول جاهدا إشغالهم باللعب والأمنيات السعيدة ..كنت أمنيهم أني سأردها لهم بإذن الله ولكن قدر الله وما شاء فعل .وفي كل إشراقة يوم جديد ..من أيام الدراسة أحمل هماً لا يعلمه إلا الله !! ماذا أعطي أولادي من فسحة دراسية ؟! وقد أصبحت المدارس يتنافس فيها الطلاب والطالبات فيما بينهم فالأبناء يتنافسون في أنواع الجوالات وصنوف السيارات ..وأما البنات فلا تسل عن كثرة الطلبات ..وأنا وقعت بين المطرقة والسندان ..هل ألبي طلبات الأولاد أم يكون مصيرهم الضياع في كل واد ،وقد يجرون إلى أخلاق مشينة ..وأفعال قبيحة بسبب الحاجة إلى المال !! ومشاكل الحياة ومصاعبها لا تنتهي عند حد ..فالأمراض في المدن قد كثرت ..فإذا أصيب أحد الأولاد بآفة ..وتعرض لوعكة .. ورأيته يتقطع أمام ناظريك آلما ..وصوت بكاءه يصل إلى شغاف القلب ..زاد من حسراتك وآلمك ..لأنك لا تملك مالا تستطيع من خلاله علاجه ..ولكن ماذا يا ترى نصنع ؟!! فأذهب مرغماً به إلى مركز صحي فقلما تخرج منه إلا وقد نهبت منك الأموال والتي قد تصل أحيانا إلى ثلث راتبك أو يزيد ؟ !ولا تسل يا شيخ عن ارتفاع أسعار المآكل والمشارب ..فبالله عليك كم يحتاج من عنده ثمانية أنفس من النفقات لسد جوعتهم في ظل ارتفاع الأسعار ونهب التجار ؟!! وقل مثل ذلك في الكساء وغيرها من حاجات الحياة اليومية ..كيف يمكن أن أعيش ؟! كيف يمكن لمثلي أن يعيش ؟! وقلت في نفسي .. من الأولى أن يوجه له هذا السؤال ؟! هل هو أنا وأمثالي من طلاب العلم أم أهل المسؤولية الذين هم أصحاب القرار ومن عندهم الصلاحيات وباستطاعتهم تنفيذ الطلبات وتصحيح الأوضاع وفعل المستطاع ؟!! نعم سؤال واقعي .. كيف يمكن أن يعيش ؟ سؤال ينبغي لأهل الحل والعقد أن يفكروا فيه كثيرا !! وأن يتأملوا فيه طويلا !!أليس هذا الرجل وأمثاله من البشر ؟! أليس له على هذا الوطن الذي يخدمه حق السكن والطعام واللباس له ولأسرته ؟! إن كنا نريد أن يكون الناس أمناء وألا يسرقوا أموال الدولة .. ولا يبتزوا أموال الناس .. فحري بنا أن نعف هؤلاء .. وأن نوفر لهم الأجواء المناسبة .. والحياة الكريمة في ظل اقتصاد عال وميزانية فائقة .