حياة محمد صلى الله عليه وسلم

 

 
 

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً. أما بعد:

 

ماذا أقول وألف ألف قصيدة        عصماء قبلي.. سطـرت أقلام
مدحوك ما بلغوا برغم ولائهم أسوار مجدك فالدنـو لمـام

 

أيُّ معلمٍ كان ، وأيُّ إنسانٍ ؟ ذلك الذي امتلئ عظمةً وأمانةً وسمواً ؟ ذلك الذي امتلئَ عفةً وكرامةً ونبلاً ؟

 ألا إنَّ الذين بهرتهم عظمتُهُ لمعذرون، وإنَّ الذين افتدوهُ بأرواحِهم لهمُ الرابحون. 

إنَّهُ ابنُ عبد اللهِ، محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، رسولُ اللهِ إلى الناسِ كافة.

لقد آتاهُ اللهُ من أنْعُمهِ بالقدرِ الذي يجعلهُُ أهلاً لحملِ رايتهِ، والتحدثِ باسمهِ، بل ويجعلهُ أهلاً لأن يكونَ خاتمَ رسلهِ، ومهما تتبارَ الأقلام والألسن مُتحدثةً عنهُ، فستظلُ جميعاً كأن لم تبرح مكانَها، ولم تحرك بالقولِ لسانَها، وليسَ عندَ الخلقِ شيءٌ يُضيفُون في الثناءِ على رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- بعد أن أثناء عليه ربُّ الأرضِ والسماء : ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) . 

لقد أثنى اللهُ تعالى على خيرةِ خلقهِ بأن ذَكرَ أبرزَ أخلاقهم، فقال عن إبراهيمَ : ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)) (هود:75) .

وقال عن أيوب: (( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)) (ص:44) .

 أما هذا الوصفُ الجامعُ المانعُ فقد اختصَّ به رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- من دُونِ الخلقِ جميعاً، ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) (القلم : 4) .

أيُّها الأحبةُ في الله : إنَنَا حينما نستلهمُ الحديثَ عن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- ، فإنَنَا لا نطمعُ في أن نُوفِّيهِ بعضَ حقهِ، ولا أزعمُ أنَّي أُقَدِّمُ الرسول العظيم، إنَّما هي إشارةٌ على استحياءٍ إلى بعضِ سِماتِهِ التي جعلت أفئدةَ الناسِ تهوي إليه ، والتي جذبت النفوسَ إليهِ في ولاءٍ لا نظيرَ له . 

وأن نبصرَ بعضَ سِماتِ عظمتهِ النادرةِ، التي جذبت إليهِ ولاءُ المؤمنين، وجعلتهم يَرونَه الهدفَ والطريق، والمعلِّمَ والصديق. 

ولنا أن نتساءَلَ: ما الذي جعلَ سادةَ قومهِ يُسارِعُون إلى كلماتهِ ودينه؟     أبو بكرٍ وطلحةَ والزبير، وعُثمانَ وغيرهم، مُتخلينَ بهذهِ المُسارِعةِ المؤمنةِ عن كلِّ ما كانَ يُحيطُهم به قومهم من مجدٍ وجاه ، مستقبلينَ في نفسِ الوقتِ حياةً تمورُ موراً شديداً بالأعباءِ وبالصعابِ وبالصراع ؟!!

ما الذي جعلَ ضعفاءَ قومهِ يلوذُونَ بحماه، ويَهرَعُونَ إلى رايتهِ ودَعوتهِ، وهم يُبصرُونَهُ أعزلَ من المالِ ومن السلاح، ينزلُ بهِ الأذى، ويُطارِدُهُ الشرُ في تحدٍ رهيب، دُونَ أن يملكَ- عليه الصلاة والسلام- لهُ دفعا!؟

ما الذي جعلَ المؤمنينَ بهِ يزيدُونَ ولا ينقُصُون، وهُو الذي يهتفُ فيهم صباحَ مساء، [ لا أملكُ لكم نفعاً ولا ضراً، ولا أدرِي ما يُفعلُ بي ولا بكم]؟؟

وما الذي جعلَهم يُصدِقُونَ أنَّ الدنيا ستَفتحُ عليهم أقطارها، وأنَّ أقدَامهم ستخُوضُ خوضاً في ذهبِ العالمِ وتيجانه، وأنَّ هذا القرآنُ الذي يتلُونَهُ في استخفاء، ستردِدُهُ الآفاقُ عاليَ الصدحِ،  قويَ الرنين، لا في جيلهم فحسب.

ولا في جزيرَتهم فحسب، بل عبرَ جميعِ الزمان، وجميع المكان ؟

وما الذي ملأَ قلوبِهم يقيناً وعزما؟ أنَّهُ ابن عبد الله محمد- صلى الله عليه وسلم-. ومن لكلِّ هذا سواه ؟

لو أطلـق الكـونُ الفسيـح ُلسانـه    لسرتْ إليك بمدحه الأشعار

لو قيل : مَنْ خيرُ العبـادِ،لردَّدتْ   أصواتُ مَنْ سمعوا : هو  المختار 

لِمَ لا تكون ؟ وأنـتَ أفضـل مرسلٍ    وأعزُّ من رسموا الطريق  وساروا

ما أنـت إلا الشمـس يملأ نورها      آفاقَنـا ، مهـمـا أُثـيـرَ غبار

لقد رأوا رأيَّ العينِ كلَّ فضائلهِ ومزاياه، رأوا طُهرِهِ وعفتهِ ، رأوا أمانته

واستقامتهِ ، رأوا شجاعته وبسالته ، رَأوا سُمُوه وحنانه . 

هؤلاءِ رَأَوا محمداً وعاصروهُ منذُ أهلَّ على الوجودِ وليداً، لم تخفَ عليهم من حياتهِ خافيه، حتى طُورَ الطفولةِ، ذلكَ الذي لا ينتبه إليه إلاَّ أهلُ الطفلِ وذووهُ، كان بالنسبةِ لمحمدٍ- صلى الله عليه وسلم- مرئياً مُشاهداً لأهلِ مكةَ جميعاً، ذلكَ أنَّ طفولتَهُ لم تكن كبقيةِ الطفولات، ولقد لفتت أنظارَ الناسِ إليها بقدرِ ما انطوت عليهِ من رجولةٍ مبكرةٍ ، وبقدرِ ما عزفت عن لهوِ الأطفال إلى جدِّ الرجال!! فعلى سبيلِ المثال :

كانت قريشٌ تتحدثُ عمَّا أنبأتهم بهِ، وأذاعتهُ بينهم مرضعتهُ حليمة، حينَ عادت بهِ إلى أهلهِ، حاكيةً لهم من ملحوظَاتِها ومُشاهدَتها وتجربتها مع الطفلِ، ما أقنعها بأنَّهُ طفلٌ غير عادي ، وأنَّهُ ينطوي على سرٍّ يعلمهُ الله، وقد تكشفهُ الأيام، فقد كانَ بحلولِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- عليها دَرَّ ثديها اللبن، فارتوى منهُ محمدٌ وابنها الذي كانت تحملهُ بعد أن كانَ يبكي من الجوعِ لجفافِ ثدي أمِّه، ولا ينامُ هُو وأهلُهُ، وامتلأ ضرعُ راحلتها باللبنِ بعد أن كانَ يابساً، فشبعت منها مع زوجِها، وأضحتِ الراحلةُ نشطةً قوية، وحيثُما حلَّت أغنامُ حليمةَ تجدُ مرعاً خصبا، فتشبعُ ولا تجدُ أغنامَ غيرها شيئاً، وكان ينمُو نمواً سريعاً لا يُشبهُ نمُوَّ الغلمان [1]

وأما شبابُهُ - فيا لطهرِ شبابهِ - فقد كانَ وضوحاً وإسفاراً، وكانَ حديثُ قومهِ عنهُ وشُغلهُم به، أكثرَ دأباً وإكباراً، فعندما حجَّ أكثمُ بن صيفي- حكيمُ العرب- ورأى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهُو في سنِّ الاحتلام، قال لعمِّ النبيِّ أبي طالب: ما تظنُونُ به ؟ قال نحسنُ بهِ الظن، وإنَّهُ لوفيٌّ سخي، قال: هل غيرَ هذا ؟ قال نعم، إنَّهُ لذوُ شدةٍ ولينٍ ومجلسٍ ركين، وفضلٍ متين. قال فهل غير هذا ؟ قال إنَّا لنتيمنُ بمشهدهِ، ونتعرفُ البركةَ فيما لمسهُ بيده [2]

وأمَّا رجُولَتهُ فقد كانت ملءَ كلِّ عينٍ وأذنٍ وقلب. وكانت فوقَ هذا ؛ مقياساً لقومه ..يقيسون بأخلاقه وتصرفاته ، كلَّ رُؤاهم عن الحقِّ والخير والجمال، فهَاهُم ذا على وشكِ أن يقتتِلُوا في من يضعُ الحجرَ الأسودِ في مكانه، وأخيراً ألهَمهُم اللهُ تعالى إلى تحكيمِ أوَّلُ من يُقبلُ من بابِ الصفا، وما زالوا كذلك حتى أقبلَ محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- فما أن رَأوهُ حتى قالوا:  هذا محمدٌ الأمين، رضينا به حكما[3].

هي إذن حياةٌ واضحةٌ مقروءةٌ من المهدِ إلى اللحد . 

مـا أنـت إلا أحمـد المحمـود فـى      كـل الأمـور ، بـذاك يشهـد غـار

والكعبـة الغـرَّاءُ تشـهـد مثلـمـا       شهـد المقـامُ وركنـهـا  والــدَّار

يا خير من صلى وصام وخيـر  مـن      قـاد الحجيـج وخيـر مـن يَشْتَـارُ

فإذا كانت حياتهُ كما ترونَ وكما تُبصرون نقاءً وصدقاً، وعفافاً وطهرا،  فهل جُرِّب عليه كذباً ؟ أم هل خانَ مرة ؟ هل ظلم إنساناً ؟ هل كشفَ عورةً ؟ هل خفرَ ذمةً ؟ هل قطع رحماً ؟هل تخلى عن مروءةٍ ؟ هل شتم أحداً ؟ هل استقبل صنماً ؟

إذن كيف يسيغُ لعاقلٍ بعد ذلك أن يدعَ مثلَ هذا النورِ الذي يُنيرُ شموعَ الأنس، ويسقي حدائقَ اللذةِ، ولا يجعلُهُ نصبَ عينيهِ، يحذُو حذوهُ، ويسيرُ خلفه، ويقتدي بهديه ؟ويكونُ من حملةِ رسالتهِ، وحُماةَ دينهِ والذَّا بينَ عن حياضه . 

كيف يسيغ لعاقل ..أن يترك هذا النور ليتابع ما يقال عنهم نجوم ستار أكاديمي ؟!! أو يتابع نجوم الكرة أو الفن أو غيرهم ؟!!

أمة الإسلام : لقد كانَ موقفُ الجيلِ الفريدِ من رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- موقفاً حاسماً وسريعاً، ليس لترددٍ ولا للتلكؤ معهُ سبيل، فإنسانٌ لهُ كلُّ هذهِ الحياةِ المضيئةِ الطاهرةِ ، لهو جديرٌ بأن يُفدى بالنفسِ والنفيس.

فذاكَ عليُّ بن أبي طالب عندما قرر رسولُ اللهِ الهجرةَ إلى المدينةِ، أمرهُ أن ينامَ في فراشهِ، وعليٌّ يعلمُ أنَّ السيوفَ قد تصيبه في كلِّ لحظة، ومع ذلكَ يُقدِّمُ نفسهُ فداءً لرسولِ الله- صلى الله عليه وسلم [4]

ولا شيءَ أروع ُمن مشاركةِ فتاةٍ في ميدانِ القتالِ، الذي قد يتخاذل عنهُ فحولُ الرجال، فهذهِ أمُّ عمارةَ يشهدُ لها رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- ويقول: (ما التفت يميناً ولا شمالًا إلاَّ وأنا أراها تُقاتلُ دوني) [5].

وهاهي أسماءُ عندما هاجرَ أبُوها مع رسولِ اللهِ، سَألها الخبيثُ أبُو جهلٍ عنهُ، وقد صفَعَها على وجهِهِا، فيطيرُ قِرطها من أُذُنها، وهي مُصِرَّةً على قولها : واللهِ لا أدري أينَ ذهبَ أبي [6]

لقد كانوا يشعُرونَ مِن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- إنَّهُ صاحبُ رسالةٍ، وصاحبُ الرسالةِ يجب أن يفدى بالمال والنفس والولد .

 ولقد كانوا يشعُرونَ مِن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- إنَّهُ صاحبُ رسالةٍ، وصاحبُ الرسالةِ لم يكن ليسعى إلى جاهٍ ولا مالٍ ولا سيادة، ، فحينَ جاءَتهُ كلَّ هذهِ معقودةً بألويتهِ الظافرةِ رفضها جميعاً، وعاشَ حياتَهُ حتى اللحظةَ الأخيرةِ، الأوابُ المنيب ، لم يتراجع عن أهدافه وأخلاقه التي رسمها في حياته قيدَ شعرة، ولم يَخلفْ موعِدهُ مع اللهِ في عبادةٍ ولا في جهاد .

فلا يكادُ النصفُ الأخيرُ من الليلِ يبدأُ حتى ينهضَ قائماً، فيتوضأَ ويظلُ كما اعتادَ أبداً يُناجي ربَّهُ حتى تورمت قدماهُ وهُو يبكي، ويُصلي ويبكي [7].

تراكمتِ الأموالُ بين يديهِ تِلالاً فلم يتغير، ولم يأخذ منها إلاَّ مِثلَمَا يأخذُ أقلُّ المسلمين شأناً ، وأكثرهم فقراً، ثُمَّ مات ودرعهُ مرهونة [8]..! 

دانتِ البلادُ كُلَّها لدعوتهِ، ووقفَ أكثرَ ملوكِ الأرضِ أمامَ رسائِلِهِ التي دَعاهم بها إلى الإسلام، وجِلِينَ ضارعين، فما استطاعت ذرةٌ من زُهوٍ وكبرٍ أن تمرَّ بهِ ولو على بعدِ فراسخ، بل كانَ يمشي- صلى الله عليه وسلم- مع الأرملةِ والمسكينِ والعبد، حتى يقضي حاجته [9]!! 

 

وما مات صلى الله عليه وسلم حتى حطمه الناس ..فهو الذي يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ..وهو الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة ..ولم ينس أمته ..مع شدة آلم الموت وسكرته ..فهو يوصيها بما ينجيها من عقوبة الله وناره وجحيمه وأغلاله ..صلى الله عليك يا رسول الله صلاةً دائمةً ما تعاقب الليل والنهار، ونسألُ الله جلَّ جلالهُ أن نكونَ من أنصارِ دينهِ، وحُماةَ عقيدتهِ وحُرَّاس ملته . 

بارك الله لي ولكم بالقرآن ...

 

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ معزُّ من أطاعهُ واتقاه، ومذلُ من عصاهُ وخالفَ أمرهِ واتبع هواه، أحمُدُهُ سُبحانهُ وأشكره، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ- تسليماً كثيراً، أمَّا بعد : 

أيُّها الناس : لقد كانَ- صلى الله عليه وسلم- لا يُشارِكُ الناسَ ما ينزُلُ بِهم من خصاصةٍ فحسب، بل يضعُ لنفسهِ ولأهلِ بيتهِ مبدأً لا يَحيدُونَ عنه، هو: أن يكونُوا أوَّلَ من يجوعُ إذا جاعَ الناس، وآخرُ من يشبعُ إذا شبعَ الناس.!!

وحينَ رأى بعضُ القَادِمين عليهِ يَهابُونُهُ في اضطرابٍ ووجل، قال لهم: ( هَوِّنوا عليكم، إنَّ أُمي كانت تأكلُ القَدِيدَ بمكة ) [10]!!

 ألقى كل أعداءِ دينهِ السلاح، ومدُّوا إليهِ أعناقهم ليحكمَ فيها بما يرى، بينما عشرةُ آلافِ سيفٍ تتوهجُ يومَ الفتحِ فوق رُبى مكةَ في أيدي المسلمينَ، فلم يزد على أن قالَ لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).! 

حتى حقَّهُ في رؤيةِ النصرِ الذي أفنى في سبيلهِ حياتَهُ، حرمَ نفسهُ منهُ، فقد سارَ في موكبِ نصرهِ يومَ الفتح، حانياً رأسهُ حتى تعذرَ على الناسِ رُؤيةَ وجهه، مُردداً بينهُ وبينَ نفسهُ ابتهالاتِ الشُّكرِ المبللةِ بدمعه، رافعاً إيَّاها في حياءٍ إلى ربِّهِ العليِّ الكبير، حتى وصلَ الكعبة، وواجهَ الأصنامَ في زِحامها، فأعملَ فيها معولهُ وهُو يقولُ: ( جاءَ الحقٌّ وزهقَ الباطل، إنَّ الباطلَ كان زهُوقا )..! 

لقد رأوهُ وهو يصعدُ المنبرَ ويقول: ( من كنتُ جلدتُ لهُ ظهراً فهذهِ ظهري فليستقدْ منه، ومن كنتُ أخذتُ لهُ مالاً فهذا مالي فليأخذ منهُ ..) [11].

أيُّها الأخوةُ في الله : إنَّ سيرةَ محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- بكلِّ ما فيها من مواقفَ ووقائعَ محلاً للتَّأملِ والتدبر، تأملاً يُحرِكُ القلوبَ، ويستثيرُ الهمم، ويقودُ إلى العملِ، تدبرٍ يزيدُ في الإيمانِ، ويزكِّي القلوبَ، ويقُوِّمُ المسيرة.

ألا إنَّها دعوةٌ للتأملِ في سيرةِ المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والأخذِ من ينبوعها.

ألا إنَّها دعوةٌ لأولئكَ المُعجبينَ بمن يُسَمُونَ نجوماً وهم إلى الثرى أقرب، ألا إنَّ النجمَ الذي يتلألأُ هُو رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- وهو الجديرُ بأن يكونَ محلَّ التفكير، وأن يعيشَ في الضميرِ، وأن يكونَ القدوةَ والمنبعَ الذي تُستقى منهُ جميعَ الأمور، فالفضلُ بعدَ اللهِ لهُ، فهو سببُ هدايتكَ ونجاتكَ من النار .

أيليقُ بعد هذا لعاقلٍ أن يجعلَ قُدوتَهُ وأسوتَهُ من لا ينفعُهُ في دنيا ولا أخرى، بل رُبما كانَ عالةً عليهِ يومَ القيامة، وحسرةً وندامة، ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)) (الفرقان:27) . 

اللهم إنا نشهد بأننا نحبك ونحب نبيك- صلى الله عليه وسلم- فاللهم ارزقنا شفاعته يوم العرض عليك، اللهم اجعلنا من زُمرته، اللهمَّ اجعلنا من أنصار دينه، اللهمَّ اجعلنا ممن ينصرون رسالته، ويُنافحون عنها يا رب العالمين .



[1] السيرة النبوية د مهدي رزق الله ص115 بتصرف .

[2] سبهل الهدى (2/147) باختصار .

[3] هذا الحبيب يا محب ص74 -75 .

[4] فقه السيرة النبوية ص347

[5] الطبقات الكبرى لابن سعد (8/303)

[6] فقه السيرة النبوية ص347

[7] أخرجه البخاري من حديث المغيرة (2/44) ومسلم (2819)

[8] رواه البخاري ورقمه (2916)

[9] رواه النسائي ورقمه (1397) .

[10] رواه ابن ماجه ورقمه (3303)

[11] فقه السيرة ص719