الشباب والترف

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام  : حديثي إليكم اليوم من القلب وأرجو أن يكون موقعه القلب منكم أيضا..  

إنه حديث عن قرة العيون وبهجة النفوس وفلذات الأكباد ، إنهم الشباب.. الذين هم عماد كل أمة الذي عليه تقوم ، وقوتها التي بها تنهض وذخيرتها التي تلجأ  إليها عند الشدائد بعد الله ، ومن الخير لهم ولأمتهم أن يشبوا أقوياء مبرئين من أسباب الضعف ودواعي الانحلال .

ومن الوفاء لهم أن يجدوا الناصح الأمين الذي يرشدهم إلى طريق الهداية ، ويأخذوا بأيديهم إلى أسباب المجد ، لتبلغ بهم الخير ، وتجنبهم مزالق الحياة ، فلايضلوا ولايشقوا .ومنذ بزغت شمس الإسلام وهو يتولى عنايته بالشباب وكان في طليعة أوائل المؤمنين أمثال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ الذي احتضنه النبي صلى الله عليه وسلم منذ الصغر ورباه على عينه ، وزيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ الذي فضل الرق والعبودية على الحرية في سبيل العيش بين يدي محمد صلى الله عليه وسلم وفي كنفه ..

أيها  الإخوة في الله : إن للشباب ابتهاجه ومرحه ، ونشاطه وطربه ، وله حظه المحمود من متع الحياة ومباهج الدنيا ، والعناية بهيئته وهندامه ، كل ذلك في حدود الاعتدال وما ترسمه قوانين الخلق الرفيع ، والأدب الأسمى ، في غير إسراف ولاتضييق  {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }الأنعام141 ذلك أن الإسراف مهلكة ، والتضييق حرمان من غير مسوغ ، وقسوة غير مشروعة  {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... }الأعراف32 .قال رجل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ! قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" إن الله جميل يحب الجمال " رواه مسلم(1)  وقال أيضا : " كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة "رواه النسائي(2)كان الشعبي مشهورا بالدعابة والطرافة أتاه رجل يوما وهو جالس مع امرأته فقال : أيكما الشعبي فأشار إلى امرأته فقال :هذه ، وسأله رجل ما اسم زوجة إبليس ؟فقال :ذاك عرس لم نشهده ، ومع هذه الطرافة التي اشتهر بها قال عنه مكحول : ما رأيت أحدا أعلم من الشعبي . (3)

إذن ليس معنى هذا أن ينطلق الشاب في ميدان المتع بغير قيد ، أو يجري وراء مباهجه بغير حساب ، أو أن يفرغ للتجمل والتصنع على الوجه الذي لا يليق بالفتى الحر الأبي ، غافلا عن مهمته الكبرى ، وعمله الأصيل في المجتمع ، كالذي نشهده الآن من بعض الشباب الأغرار وهم بحمد الله قليل .

أحبتي الكرام : إن الشباب في كل أمة هم عصب حياتها ، ومصدر قوتها ورجاؤها...

( فالعصبة المؤمنة التي تركزت في دار الأرقم وعلى يديها تحقق نصر الإسلام كانوا شبابا فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان عمره أربعين سنة عند البعثة ، وأبوبكر ـ رضي الله عنه ـ كان أصغر منه بثلاث سنين ، وعمر ـ رضي الله عنه ـ كان عمره سبعا وعشرين سنة ..وهكذا عثمان وعلي وعبدالله بن مسعود ومصعب بن عمير وعشرات غيرهم بل مئات ..كلهم كانوا شبابا ..هؤلاء الشباب هم الذين حملوا على كواهلهم أعباء الدعوة ، وهم الذين استعذبوا في سبيلها أسمى آيات الصبر والعذاب والتضحية ..وهم الذين واصلوا ليلهم بنهارهم حتى حققوا لهذا الإسلام انتشاره وكيانه ، ولهذا الدين انتصاره وتمكينه فما بين عشية وضحاها قامت للمسلمين دولة وسلطان ، وتأسست لهم حكومة وقيادة ..)(1) فهذا أسامة بن زيد شاب فتى لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره يقود جيشا عرمرما فيه كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر ..وهذا مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ يبعثه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معلما وموجها للأنصار في المدينة قبل هجرته إليها وكان نعم الداعي ونعم المبلغ ! وذاك عقبة بن نافع الذي وقف في آخر الغرب على شاطئ المحيط الأطلسي ، وقال وقد خاض بجواده الماء:(اللهم رب محمد لولا هذا البحر لفتحت الدنيا في سبيل إعلاء كلمتك ..اللهم فاشهد !

أمة الإسلام : إن الأمة ليست بحاجة إلى الشباب ذوي الأجسام الغضة ، والقدود المتثنية ، والرءوس الخاوية ، ولكنها بحاجة جد والله ماسة إلى العضل المجدول ، والساعد المفتول ، والإرادة الحديدية ، والخلق المتين ، والعلم النافع .

فما عسى أن نجد في شباب مترف ريان العظام متخاذل الأوصال ؟شباب عقولها في أقدامها ، شباب  لا يتجاوز همهم حدود المطعم والمشرب والوظيفة والمرتب ؟  أيصلح أن يكون طيارا يحلق في السماء ، ويشق أجواء الفضاء ؟ أو مجاهدا يجود بروحه ذودا عن دينه وأمته ، فيقتحم الصفوف ويصافح الموت ؟ أو داعية يطوي المجاهل والقفار ويحمل هم إبلاغ هذا الدين إلى ما وراء البحار ؟

أو باحثا يجلس إلى مكتبه الساعات الطوال ، يعصر فكره ، ويضني جسمه ، ليحقق ويستنبط؟

أو زارعا يقرسه البرد ، ويصهره الحر ، وهو دائب لا يبالي ؟ أو عاملا يكدح في غير سأم ، ويكد في غير انقطاع ؟

أيها المسلمون : إن التنعم في حدوده ، مقبول بل مطلوب ، والترف في غير مبالغة دواء لمتاعب الحياة قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " رواه الترمذي(1)

ولكن الإسراف فيهما هو البلاء الذي يبيد الأمم ويقضي على المجتمعات ، فإذا ما ظهرت أعراضه في أمة ، فسرعان ما يتصدع بناؤها ، وتضعف قوتها ، وتتفشى فيها الأمراض الاجتماعية ، ولا تلبث أن تهوي صريعة .ولذا كانت التوجيهات النبوية بالنهي عن هذا الداء العضال ،  عندما بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاذا إلى اليمن قال له :" إياك والتنعم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " رواه أحمد(2) وقد أدرك سلف الأمة ذلك فحذروا منه وأنذروا إذ تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ

:( أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع ، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم ، وجمحت شهواتهم )(3)

ولو استعرضنا صفحات التاريخ ، وفتشنا عن أسباب فناء الدول ـ وكثير منها عرف بالحول والطول ـ لوجدنا المبالغة في الترف علة العلل في انتقاص ظلالها ، ودنو آجالها ، 

( إن الأمم تبدأ نشأتها متجمعة العزيمة مشحوذة الهمة متوفرة الجهد ، لأنها تواجه تحديات جمة ، ومن شأن التحديات أن ُتشحذ لها الهمة وتَستنفر الجهد وتجّمع العزيمة ، وتمضي بضعة أجيال حتى يتم الإنجاز بالصورة التي تحقق الوجود وتؤمنه وتمكن له ، وتتغلب على التحديات ..وعندئذ يحدث نوع من الاطمئنان إلى ما تم إنجازه بالفعل ، فيحدث معه نوع من التراخي ، وفتور الهمة ، والانصراف إلى الدعة والترف ، وخاصة مع كثرة الموارد المالية التي تصاحب النجاح المادي في أغلب الأحيان ..وحين يبدأ الترف يبدأ الانهيار ..و تجيء الأخطار والأمة لاهية في ترفها ، مشغولة بمتاع الأرض القريب ، غير مقدرة للخطر الذي يقترب منها ، مخدوعة بقوتها ، أو مستنيمة لهواتف الراحة والسلامة والإخلاد إلى الأرض مبعدة عنها صوت نذير !  وتمضي السنة الربانية بتدمير المترفين  {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16...ولقد جرت السنة الربانية على الأمة الإسلامية حين جنحت إلى الترف وأخلدت إلى الأرض ، لأن سنن الله لا تتبدل ولا تتحول : {.. فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً }فاطر43)(4)

قال ابن قتيبة ـ رحمه الله ـ :( حدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور ـ الخليفة العباسي ـ سمر ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم ، وأنهم لم يزالوا على استقامة ، حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين ، فكان همهم ...قصد الشهوات وإيثار اللذات ، والدخول في معاصي الله عز وجل  ومساخطه  ، جهلا منهم باستدارج الله تعالى وأمنا من مكره تعالى ، فسلبهم الله تعالى الملك والعز ونقل عنهم النعمة ..)(1) وفي محاولة من المؤرخين لتلمس أسباب نهاية الخلافة العباسية يقول ابن كثير  ـ رحمه الله ـ :( ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية ..إلى أن قال : وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات )(2)

فهل للشباب أن يتنبهوا لذلك ، ويحذروا الانغماس في اللهو ، وينصرفوا إلى معالي الأمور ، ويتوفروا على ما هم بسبيله من تحصيل علم مفيد أو مزاولة عمل نافع ، ومقاومة خلق ضار ، فالوقت لا ينتظرهم والأمة لا تعذرهم ، والفرصة تمر مر السحاب وقد استأثر القوي بالخيرات ، وباء الضعيف بالحسرات ،( فسنة الله جل جلاله في الحياة أن لا يعيش فيها ولا يفلح إلا الرجل العامل ، بل ولا يأكل رزقه إلا الرجل العامل ، حتى أصحاب الشهوات، والمبادئ الأرضية لابد لهم من عمل يحصلون من خلاله ما يريدون ، والأمم التي دخلت التاريخ ، وسطرت منجزاتها لم تكن لتحقق جزءا مما حققت ، ما لم تملك قدرا من الجدية والتصميم ، إنها سنة الله في الحياة ، ولذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  يقول في كل يوم :" اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل "(3) فهوـ صلى الله عليه وسلم ـ يستعيذ بالله من هذه الصفة المقيتة التي لعلك لا تجد للرجل غير الجاد وصفا أدق منها وأبلغ ( عاجز وكسول ) فهو الذي لا يزال في حضيض طبعه محبوسا ، وقلبه عن كماله الذي خلق له  مصدود  منكوس ، قد أسام نفسه مع الأنعام ، راعيا مع الهمل ، واستطاب لقيمات الراحة والبطالة ، واستلان فراش العجز والكسل ،)(4)

قال عليه الصلاة والسلام : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ..الحديث(5)     بارك الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية

عباد الله : لقد سطر التاريخ لنا نماذج من الذين ساهموا في صياغة مستقبل الأمة وصناعة حضارتها ، فكيف تربى أولئك الشباب ؟ لنفتح صفحة من تاريخهم ، فهذا ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يقول عن نفسه : ( كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل ، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب فيخرج فيراني ، فيقول : يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ؟ أ لآ أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقول : لا . أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث ..)

ولا يقف الأمر عند هذه الحقبة الزمنية ، فترى ذلك من خلال سير أهل العلم ، والقيادة في الأمة على مدى تاريخها الواسع .

قال أبو حاتم : سمعت أبي يقول أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين ، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ أي (4800كم) قال ثم تركت العدد بعد ذلك ، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا ، ثم إلى الرملة ماشيا ، ثم إلى دمشق ، ثم أنطاكية و طرسوس ثم رجعت إلى حمص ، ثم الرقة ، ثم ركبت إلى العراق ، كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة ...وقال فضيل بن غزوان : كنا نجلس أنا وابن شبرمة ، والحارث بن يزيد ، والمغيرة والقعقاع بن يزيد نتذاكر الفقه ، فربما لم نقم حتى نسمع النداء بالفجر .!

وقال ابن أبي حاتم : كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة ، نهارنا ندور على الشيوخ وبالليل ننسخ ونقابل ، فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا فقالوا هو عليل ، فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها ، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا ، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تنتن فأكلناها نيئة لم نتفرغ نشويها ! ثم قال لا يستطاع العلم براحة الجسد

وحين نطلب من الشباب أن يكونوا جادين فلسنا بالضرورة ندعوه لأن يأكل الطعام نيئا لكنها صورة مشرقة من جدية السلف تبقى منارة يتطلع الجيل إليها ليقترب منها، علّ خفا يقع على خف .(1)

وعلى الآباء أن يدركوا حجم المسئولية الملقاة على أعناقهم في تربية أبنائهم التربية الجادة بيعدا بيعدا عن الترف 


 


(1) أخرجه مسلم من حديث عبدالله بن مسعود ورقمه (131)

(2) رواه النسائي ورقمه (2512)من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .

(3) سير أعلام النبلاء ( 4/294)

(1) السيرة النبوية د . مصطفى السباعي ص82 بتصرف

(1) قال الترمذي : هذا حديث حسن .

(2) رواه أحمد ورقمه (21089) وفيه بقية بن الوليد لم يصرح بالتحديث .قال المنذري :(رواة أحمد ثقات )الترغيب (3/137)

(3) الترغيب والترهيب (3/137)

(4) مفاهيم ينبغي أن تصحح محمد قطب 352بتصرف

(1) تأويل مختلف الحديث ص 231

(2) البداية والنهاية ( 13/218)

(3) رواه البخاري ورقمه ( 6369) ومسلم ( 6072)

(4) التربية الجادة ضرورة ص28بتصرف

(5) رواه مسلم ورقمه ( 4816) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(1) التربية الجادة ص32بتصرف